حيدر حب الله

47

إضاءات في الفكر والدين والإجتماع

وظّفوا العرفان في خدمة قضاياهم المذهبيّة في غير موقع وموضع ، ولك أن تراجع قضيّة الإنسان الكامل والولاية العرفانية ونظرية الفيض والوسائط لترى كيف قاموا بعمليات توليف غير عادية بينها وبين نظريات النبوّة والإمامة في الكلام الإسلامي والمذهبي ، فليس كلّ ما أتى من العرفاء هو مناقض للدين كما يحلو للبعض اليوم أن يقول ، بل إنّ بعض الأفكار التي يؤمن بها الكثير من الفقهاء والمتكلّمين والأصوليّين اليوم ترجع جذورها إلى مقولات العرفاء التي طُوّرت على يد الفلسفة الصدرائيّة . 3 - إنّ العرفان ليس شرحاً أو تعليقاً كما يوحي به سؤالكم ، بل هو من وجهة نظر أنصاره تجربة ذاتية روحيّة باطنيّة تسلك بالإنسان في رحلة عميقة في باطن الوجود الذي نرى ظواهره فقط ، إنّ العرفان ليس شرحاً لكتاب الأوراق ، بل هو تجربة في كتاب الوجود ، وإذا كانت لبعض العرفاء شروحات فهي من باب العرفان النظري أو فلسفة العرفان أو البحوث النظريّة المتصلة بقضايا العرفان ، فهناك فرق بين التجربة العرفانية وبين البحث العقلي والنظري في العرفان وقضاياه . 4 - يبدو من سؤالكم أنّكم ترون أنّ العرفان وليدٌ سنّي المذهب أو غير إسلامي ، وأنّه جاء إلى الشيعة من السنّة أو من غير المسلمين ، وهذه نظريّة تاريخية لها أنصارها ، ولكنّ الكثير من العرفاء - وربما جميعهم - يرون أنّ العرفان يرجع في أصوله إلى الكتاب والسنّة ، وإلى أهل البيت بالخصوص ، ولابدّ أن نأخذ هذه الفكرة بعين الاعتبار عندما نتعامل مع العرفاء ، ومن الضروري أن نناقشهم فيها قبل أن نرسل دعوى اقتباسهم من السنّة أو غير المسلمين في هذا الإطار . وأنا لا أنفي هذا الأمر ، بل قد تجدني أكثر ميلًا إلى وجهة نظركم بدرجة